قف حتى لا تنخدع

الخميس, 23 أبريل, 2026 - 06:36 مساءً

قف أمام الكاميرا، تأمل ملامحك، ثم عُد بذاكرتك إلى صورك القديمة وقارنها بصورك الحديثة. لا يهم إن كنت في الأربعين أو الخمسين أو الستين؛ ستدرك فوراً أنك لست الشخص ذاته الذي كان ابن خمس أو ست سنوات. هذا التغير الفيزيائي ليس سوى انعكاس بسيط لحقيقة كبرى نتجاهلها: نحن في حالة عبور مستمرة، والحياة ليست ثابتة كما توهمنا.
 
قف لتسأل نفسك: لماذا نقع في الخطأ الفادح وهو إيماننا المطلق بـ "وهم الاستمرارية"؟ فنحن نكرس حياتنا، وجهدنا، وعمرنا، أملاً في أن تبقى الأسرة على حالها، والوظيفة مستقرة، والمكانة محفوظة، والوطن ملاذاً آمناً للأبد. ننسى في غمرة ذلك أنَّ {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}. نبني أحلامنا على أساس أن الدنيا دار قرار، فإذا بالتقلبات تصفعنا لنوقن أنها دار ممر.
 
قف مع نفسك في هذه المحطة، فنحن هنا مسافرون، ومن يظن أن محطة الانتظار هي منزله الأخير فإنه يُصدم حين تتبدل الأحوال. لقد رأينا من الناس من فقد عقله، ومنهم من سقط في هوة الخذلان، لا لضعفٍ فيهم، بل لأنهم منحوا "ثقة عمياء" لأشخاص لم يدركوا أن سقف عطاء البشر محدود. إن كل من في الدنيا إذا طلبته شيئاً قد يعطيك مرة أو مرتين، لكن مهما كان عزيزاً أو غالياً، قد يملّ ويتأفف منك. بينما الله عز وجل، كلما طلبته أعطاك، وكلما لجأت إليه أغناك، وكلما سألته زادك في العطاء؛ وكأن الله عز وجل يناديك بلسان الحال: "تخلَّ عن المخلوقين وتعالَ للخالق".
 
إن ما يزيد الأمر حيرة هو عدم استقرار النفوس؛ فلا تستغرب تقلبات البشر، فلقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء". لذا، فإن التعامل مع البشر بـ "الوسطية" ليس دعوة للشك المرضي، بل هو "حذر الواعي" الذي يدرك أن القلوب بيد مقلب القلوب.
 
وعلى الصعيد المادي والإداري، كم هي خادعة تلك الحسابات التي نضعها لتأمين المستقبل؟ لقد حاولنا جدولة أعمارنا، وحساب ما نملكه، لتكفينا حتى أرذل العمر، ثم جاء القدر ليرينا أن كل هذه الأرقام قد تصبح صفراً، وأن الحكمة تكمن في قول المثل الشعبي: "من همّ الموت فضحته العافية". إن الاستثمار الحقيقي ليس في جمع المال أو بناء الأمجاد الدنيوية، بل في إدراك أن كل شيء إلى زوال، فـ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.
 
إن الدنيا رسالة ربانية تقول لك: "ففروا إلى الله". إن من يعتمد على غير الله ذلّ وهان، ومن اتخذ الدنيا دار قرار خسر واغتر. وفي النهاية، حينما يسدل الستار على كل المسرحيات الدنيوية، لا يبقى إلا سؤال الحق: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. تذكر أنك في هذه الرحلة مجرد مسافر؛ فاستثمر، وأحسن، واعمل، لكن لا تجعل من الدنيا أو من المخلوقين ركيزة لأملك. كن كالمسافر الذي يأخذ من الدنيا ما يبلغه وجهته، ولا تترك قلبك معلقاً بأوهام الاستقرار، ففي اللحظة التي تدرك فيها أنك عابر، ستتعامل مع كل حدث -مهما كان قاسياً- بحكمة العارف، وستجد أن الأمل الوحيد الذي لا يخذل هو أملك في خالقك الذي لا يمل من دعائك، ولا يتغير بتغير أحوال الزمان.
 

التعليقات