الرئيس الاوكراني زيلينسكي يفتح خطوطا ساخنة مع ولي العهد السعودي وامير قطر والرئيس الاماراتي يعرض فيها خبرات بلادة في مواجهة حرب المسيرات، وما ان انتهت المكالمات حتى وصل خبراء أوكرانيون للمنطقة وبداوا في الانتشار في الرياض وأبوظبي والدوحة. ما يتشكّل ليس صفقة سلاح بل ملمح نظام أمني جديد، فرضته حرب ايران التي تدخل اسبوعها الثالث بجراح غائرة ومكابرة تؤجل السقوط الذي بشر به ترامب في اليوم الأول للعملية التي قتل فيها المرشد الإيراني، وما حدث ان إيران لم تُخضَع بل قامت باشعال المنطقة واستهداف جيرانها في دول الخليج بالصواريخ والمسيرات التي أيضا استهدفت القواعد العسكرية الامريكية والأراضي المحتلة بوتيرة اعلى مما جرى في حرب فبراير من العام الماضي.
الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية جعلتها تكتشف أن المظلة الأمريكية وحدها لم تعد كافية، وأن العالم يدخل زمن الحروب الهجينة حيث تتراجع مركزية السلاح الباهظ لمصلحة شبكات دفاع أرخص وأسرع.
مسيّرة بعشرين ألفاً وصاروخ بأربعة ملايين
الرقم وحده يكفي لفهم كل ما يجري: مسيّرة شاهد إيرانية واحدة تُكلّف ما بين عشرين وخمسين ألف دولار. صاروخ باتريوت الذي يعترضها يُكلّف أربعة ملايين. صاروخ ثاد يُكلّف خمسة عشر مليوناً. مقابل كل دولار تنفقه إيران، ينفق المدافع ما بين عشرين وثمانية وعشرين دولاراً. هذا ليس خللاً هامشياً في الميزانية، بل انقلاب في منطق الحرب ذاته.
زيلينسكي صرّح بأن دول الشرق الأوسط استهلكت أكثر من ثمانمئة صاروخ باتريوت في ثلاثة أيام. لوكهيد مارتن أنتجت ستمئة وعشرين صاروخاً في عام كامل. تعويض ما أُنفق في أيام يحتاج أكثر من خمسة عشر شهراً. تقديرات غربية وضعت كلفة اعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية وحدها عند عشرة مليارات دولار. الدفاعات الثقيلة صُمّمت لتهديدات نوعية محدودة العدد، لا لحرب استنزاف يومية ضد أسراب رخيصة لا تنتهي.
زيلينسكي أعلن أنه أجرى مباحثات مباشرة مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني وقيادة الإمارات حول التعاون في مواجهة المسيّرات الإيرانية. كييف أرسلت فرق خبراء دفاع جوي ومهندسين مختصين بالحرب الإلكترونية إلى الرياض وأبوظبي والدوحة.
وتناقلت وسائل الاعلام الغربية الحديث عن صفقة تعتزم شركة أرامكو السعودية ابرامها مع شركتين أوكرانيتين، إحداهما تنتج مسيّرة اعتراضية مطبوعة ثلاثية الأبعاد بألف دولار فقط وبسرعة تتجاوز ثلاثمئة كيلومتر في الساعة.
ما يحدث أكبر من سوق سلاح التقليدية فالخليج الذي اعتمد عقوداً على واشنطن في المظلة العسكرية يشتري الآن خبرة نضجت تحت النار من دولة كانت قبل أربع سنوات تستجدي السلاح. هذا انقلاب في خريطة الخبرة الأمنية، يبدأ من قمة الهرم السياسي وينتهي في الميدان.
الظاهرة الأوكرانية: تكيّف تحت النار
أوكرانيا واجهت أكثر من تسعة عشر ألف مسيّرة شاهد في شتاء 2025-2026 وحده. بدلاً من الانكسار، حوّلت هذا الضغط إلى صناعة: مئة ألف مسيّرة اعتراضية أُنتجت عام 2025 بزيادة ثمانية أضعاف عن العام السابق. المسيّرات الاعتراضية باتت تتولى أكثر من سبعين بالمئة من إسقاطات مسيرات شاهد فوق كييف ومحيطها. واوكرانيا لم تعد دولة متلقية للسلاح، بل مصدر خبرة عملياتية لا يملكها أحد آخر في العالم بهذا الحجم والاختبار القتالي.
الحرب الهجينة: إيران لا تحتاج إلى الانتصار
إيران لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا عسكرياً. يكفيها أن تمنع واشنطن من ترجمة تفوقها الناري إلى استقرار سياسي واقتصادي في المنطقة والعالم، لذلك مزجت في طريقة ردها على التفوق الناري الأمريكي بين الصواريخ الباليستية والمسيّرات والهجمات البحرية والضغط على مضيق هرمز والحرب السيبرانية، فحوّلت الطاقة والشحن والتأمين إلى ساحات معركة. واصبح الخصم الأضعف تقليدياً هو من يرفع كلفة الردع إلى مستوى يفوق العائد السياسي على القوة العظمى، وهي سبق وان جربت هذه الاستراتيجية في اليمن عن طريق مليشيا الحوثي التي كانت التجسيد الأوضح لهذا المنطق.
فمليشيا الحوثي لا تمتلك سلاحا جويا ولا بحرية تقليدية، لكنها حوّلت باب المندب إلى منطقة خطر دائمة أوقفت المرورو في باب المندب لا كثر من عام، وادت تلك العمليات لاستنزاف التحالف الأمريكي البريطاني المليارات لحماية الملاحة من المسيرات والزوارق الانتحارية والقيام بعمليات عسكرية ضد اهداف داخل مناطق سيطرة الحوثيين دون القدرة على تحييد المليشيا او اضعافها او استهداف قادتها، ويبدو ان طهران استوعبت ما حدثت وقامت باستنساخ تلك التجربة من باب المندب الى مضيق هرمز.
تفوّق ناري بلا حسم سياسي
لا يمكن انكار حقيقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل الحقتا أضراراً عسكرية كبيرة بإيران من حيث تدمير البنية التحتيى للحرس الثوري وتحييد العشرات وربما المئات من قياداته وقدراته العسكرية ومنصات اطلاق الصواريخ ونجحتا بمعدلات اعتراض تجاوزت تسعين بالمئة.
لكن في الأهداف السياسية التي أعلنتها واشنطن لم تنجح ولم تستطع بعد اخضاع النظام الإيراني كما لم تضمن حماية كاملة لحلفائها في دول الخليج . او الإيفاء بتعهداتها للعالم بالحفاظ على تدفق البضائع عبر مضيق هرمز الذي باتت طهران تتحكم في مساره وتهاجم السفن التي لم تلتزم بتعليمات عدم المرور من المضيق دون موافقة إيرانية، وبالتالي يصبح التفوق الناري والسيطرة على سماء ايران جزء من سيناريو حرب مستمرة دون تحقيق هدف سياسي جراء تجنب واشنطن الخيار العسكري البري وهو ما يفتح الباب على مصراعيه حول تكهنات نهاية هذه الجولة من الصراع، ومن يلملك القجرة على انهائها باقل قدر من الخسائر.
هل غياب الحسم قرار واعٍ لتفادي تكرار العراق 2003، أم عجز فعلي؟ الأرجح أنه مزيج من كل ذلك، فواشنطن لا تريد تورطاً في تغيير نظام، لكنها تكتشف أن أدواتها العسكرية لا تكفي لإنتاج عملية سياسية على الأرض حتى لو أرادتها. البُعد الإسرائيلي يعقّد المشهد أكثر: تل أبيب لم تكن شريكاً تنفيذياً فحسب بل طرفاً بأجندته الخاصة. واشنطن تريد احتواءً، وإسرائيل تريد تدمير قدرات. هذا التباين يُفسّر لماذا أنتجت القوة النارية الهائلة نتائج عسكرية من دون نتيجة سياسية متماسكة. وهو ما يشرح طبيعة المأزق الأمريكي في ايران والذي يمكن تلخيصه بأن هناك قوة عظمى تضرب من دون أن تعرف كيف تُنهي ما بدأته.
تحالفات مرنة وحسابات خليجية جديدة
وبالعودة للقرار الخليجي بالاستعانة بالخبرات الأوكرانية ومدى مؤامته لحالة التحالفات في النظام الدولي الذي لا يقوم اليوم على ثنائية صلبة بل إلى اصطفافات مرنة ومتناقضة. فروسيا تتعامل مع الحرب ضد ايران كفرصة لرفع أسعار الطاقة وتشتيت الغرب عن أوكرانيا، لا كقضية تستحق القتال، فيما الصين تحمي مصالحها التجارية والطاقوية من دون أن تغرق في مواجهة مفتوحة. حتى في مجلس الأمن، ظهر الانقسام بصيغة امتناع لا اصطفاف هجومي. ما يعنيه هذا للخليج واضح: إيران تخوض حربها الهجينة وحيدة عملياً، وهذا يخفّض سقف التصعيد التقليدي لكنه لا يُنهي التهديد اللامتماثل الذي قد يشكله الحوثيون الذي لا يحتاجون ضوء أخضر من طهران كي يهاجموا السفن، كما المسيّرات لا تنتظر قراراً في مجلس الأمن.
وهنا يتضح ان حسابات الردع الخليجية لم تعد مرتبطة فقط بتوازن القوى الكبرى بل بقدرة أطراف صغيرة على إحداث أضرار غير متناسبة بأدوات رخيصة. وهي تدرك أهمية بقائها تحت المظلة الأمريكية ، لكنها اكتشفت انها وحدها لا تكفي حين يُستنزف المخزون الاعتراضي في أيام ويستغرق تعويضه أشهراً. فالاتجاه نحو أوكرانيا ليس انفكاكاً عن واشنطن بل رسالة عملية بأن المنظومة الأمريكية فقدت كفاءتها الاقتصادية أمام هذا النوع من التهديد.
واشنطن تتسامح مع التنويع لأنه يخفف الضغط على مخزونها ويربط أوكرانيا بسوق خليجية قادرة على الدفع. لكن إذا تطوّر التنويع ليشمل شراكات خارج الفلك الغربي فإن المعادلة ستتغير، وهذا ما يجعل دول الخليج تسير على خط رفيع بين تنويع مقبول أمريكياً واستقلال قد يُقلق واشنطن.
الحرب صارت اقتصاداً عالمياً
مستقبل هذه الحرب أقرب إلى الاستنزاف المنظّم. واشنطن وتل أبيب تستطيعان ضرب إيران بعمق لكنهما لا تستطيعان محو القدرات اللامتماثلة الموزعة والمخفية. خبير دفاعي بريطاني وصف كيف يستطيع مهندس واحد تجميع اثنتي عشرة مسيّرة شاهد في وردية عمل واحدة من مرآب صغير. إيران لا تملك هزيمة واشنطن تقليدياً لكنها تملك ما يكفي لإطالة الأزمة ورفع كلفة الطاقة وتهديد الشحن. لا أحد ينتصر سريعاً والجميع يخسرون ببطء.
حين تُهاجَم السفن وتُضرب مرافق النفط وتتدخل الاحتياطيات الاستراتيجية لتهدئة الأسواق، لا تعود الحرب شأناً إقليمياً، بل قضية تمس الامن العالمي، واشتعال السفن في مضيق هرمز هو ما أجبر على الإفراج عن كميات ضخمة من الاحتياطي النفطي العالمي.
وكنتيجة لتلك الحالة المضطربة سارعت شركات التأمين لرفع أقساط المخاطر في البحر الأحمر عشرة أضعاف، وذلك مت جعل الاقتصاد العالمي طرفاً في معادلة الردع، التي بات السؤال المركزي فيها لم يعد من أسقط أكثر كم من الصواريخ، بل من فرض على خصمه أعلى كلفة لا يستطيع تحمّلها.
ما بعد الصفقة: تحالفات وظيفية وحقل تجارب مفتوح
الصفقات الخليجية-الأوكرانية ليست حدثاً تجارياً معزولاً بل علامة على تبدّل في طبيعة التحالفات ذاتها، وفق منظومة مختلفة بدون سطوة القطبين او هيمنة قطب واحد بل القدرة على السير فوق شعرة رفيعة من التوازنات، فالخليج يشتري مسيّرات اعتراضية من أوكرانيا، ويبيع النفط للصين، وينسّق الإنتاج مع روسيا في أوبك+، ويحتفظ بالمظلة الأمريكية سقفاً أخيراً. هذه ليست تناقضات بل هي الشكل الجديد للتحالفات الذي فرضته التغيرات الجيوسياسية العالمية ، وهي شراكات وظيفية محددة الهدف لا ولاءات شاملة، ما يحدث أقرب إلى سوق مفتوحة للأمن، كل طرف يشتري ما يحتاجه من حيث يجده بأفضل سعر.
العلاقة الخليجية-الروسية لن تنكسر بسبب صفقة أوكرانية. موسكو تعرف أن الخليج يشتري خبرة مضادة لمسيّرات تستخدمها هي نفسها في أوكرانيا، لكنها ستبتلع الأمر لأن التنسيق النفطي في أوبك+ أهم لها بكثير من الاعتراض على صفقة مسيّرات. روسيا تحتاج أسعار النفط المرتفعة لتمويل حربها، والخليج يملك مفتاح هذه الأسعار. هذه البراغماتية الباردة هي القاعدة لا الاستثناء: الدول لم تعد تختار بين معسكرين بل تتحرك بين عدة طاولات في وقت واحد.
واشنطن من جهتها لا تتسامح فقط مع التنويع الخليجي بل تشجعه ضمنياً، لأن البديل أسوأ: أن يشتري الخليج من الصين أو تركيا أو يبني قدراته بشكل مستقل تماماً عن الفلك الغربي.
الخطر الأعمق يكمن في مكان آخر، فإيران تراقب كيف تُعترض مسيّراتها وستتكيّف. هذا ليس احتمالاً نظرياً بل نمط مجرب سابقا في أوكرانيا تطوّرت شاهد خلال أشهر من نسخة بدائية إلى نسخ محسّنة بأنظمة توجيه أدق ومقاومة أعلى للتشويش. المنطق نفسه سيعمل في الخليج. مسيّرات أسرع وأكثر مناورة. أسراب مبرمجة بالذكاء الاصطناعي تتخذ قرارات بلا تدخل بشري. أسلحة سيبرانية تستهدف شبكات الدفاع الجوي قبل إطلاق الأسراب. كل طبقة دفاعية جديدة يضيفها الخليج ستدفع إيران إلى تطوير طبقة هجومية مقابلة، الشاهد ان المنطقة تتحول فعلاً إلى حقل تجارب مفتوح لأجيال جديدة من السلاح على كلا الجانبين.
والأخطر أن حرب الوكالة لم تعد مفهوماً يصف ما يحدث في اليمن أو لبنان فحسب، بل باتت تصف الخليج ذاته. الحوثيون يضربون بسلاح إيراني. الخليج يدافع بخبرة أوكرانية ومنظومات أمريكية. أوكرانيا تموّل حربها من عائدات هذا التعاون. واشنطن تخفف ضغط المخزون. كل طرف يستخدم الآخر لتحقيق أهدافه في مسرح مختلف. الفارق عن حروب الوكالة التقليدية أن الأطراف هنا لا تختبئ وراء وكلاء محليين، بل تتعامل مباشرة، وأن المختبر ليس دولة منهارة على الأطراف، بل قلب الاقتصاد العالمي — الخليج ومضائقه وحقول نفطه.
تصريحات رسمية تؤكد مباحثات مباشرة بين زيلينسكي وقادة السعودية وقطر والإمارات. فرق خبراء أوكرانية انتشرت في الرياض وأبوظبي والدوحة والأردن. أكثر من ثمانمئة صاروخ باتريوت استُهلكت في ثلاثة أيام. كلفة اعتراض الباليستي وحدها تجاوزت عشرة مليارات دولار. إيران ما تزال قادرة على المزج بين أدوات هجينة متعددة وتتكيّف مع منظومات الاعتراض. الحوثيون حوّلوا باب المندب إلى ساحة استنزاف دائمة. المنطقة تتحول إلى حقل تجارب لأجيال جديدة من السلاح الهجين.
بنية الدفاع الخليجي تتجه نحو تحوّل عميق: طبقات اعتراض رخيصة، تنويع شراكات وظيفية لا عقائدية، وتراجع الثقة بأن منظومة واحدة تكفي. إيران ستردّ بتطوير مسيّرات أسرع وأسراب ذكية، ما يعني دورة تصعيد تقني مفتوحة. العلاقات الخليجية-الروسية ستصمد لأن المصلحة النفطية المشتركة أقوى من أي خلاف حول صفقة سلاح. واشنطن ستشجع التنويع ما دام يبقى داخل الفلك الغربي. مستوى الثقة: مرتفع.
هل يمكن لقوة عظمى أن تظل عظمى إذا عجزت عن تحويل انتصاراتها النارية إلى نتائج سياسية؟ حربا أوكرانيا وإيران تقولان إن الإجابة لم تعد بديهية. ندخل زمن الحروب الهجينة والتحالفات الوظيفية وحروب الوكالة التي لم تعد تختبئ وراء وكلاء. لا يربح الأقوى تلقائياً بل ينجو من يتعلم أسرع ويقاتل أرخص ويتكيّف قبل خصمه. السؤال الذي ينبغي أن يؤرّق الرياض وأبوظبي والدوحة ليس فقط كيف نحمي أنفسنا، بل: هل ندرك أن الخليج لم يعد مسرحاً لحروب الآخرين فحسب، بل صار مختبراً لمستقبل الحرب ذاتها — وأن الثمن يُدفع من اقتصاده وأمنه واستقراره؟