فورين بوليسي: القواعد العسكرية في الخليج حين تتحول من ركائز للأمن إلى مخاطر تصعيدية
- غرفة الأخبار الجمعة, 06 مارس, 2026 - 10:38 صباحاً
فورين بوليسي: القواعد العسكرية في الخليج حين تتحول من ركائز للأمن إلى مخاطر تصعيدية

أكدت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، أن التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة جعلت دول الخليج أكثر عرضة للخطر، حيث تحولت القواعد العسكرية في الخليج من ركائز للأمن إلى مخاطر تصعيدية مع التصعيد العسكري الذي تشهده إيران والشرق الأوسط، منذ مطلع الأسبوع الجاري.

 

جاء ذلك في مقال رأي نشرته مجلة السياسة الخارجية الأمريكية "فورين بوليسي" للكاتب خالد الجابر المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، وهو باحث وممارس مرموق متخصص في التواصل السياسي وشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والكاتب عمر رحمن وهو زميل في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، ورئيس تحرير مجلة "أفكار"، وهي نشرة المجلس التي تُعنى بالشؤون الجارية في المنطقة.

 

‏وبحسب الصحيفة، فلم تكن دول الخليج العربي ترغب في الحرب الجارية، ولا في الانخراط فيها، ففي الأسابيع التي سبقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، عمل القادة الخليجيون بشكل حثيث لمنع التصعيد، وأكدوا علنًا على حيادهم وحظروا استخدام أراضيهم لشن عمليات هجومية ضد طهران، حيث كان الهدف من هذه الجهود الخليجية واضحًا: "تجنب التحول إلى ساحة معركة في مواجهة لم يبادروا إليها ولم يقرّوها، ولكن سبق السيف العذل، وأخفقت الجهود الدبلوماسية الخليجية، مع وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطالب قصوى تهدف أساسًا إلى نزع سلاح إيران، ودعم تلك المطالب بحشد عسكري هائل، سُبق السيف العذل".

وذكرت الصحيفة أن إيران حوّلت جوارها الخليجي إلى مسرح مركزي للردع منذ اندلاع الأعمال العدائية، حيث تعرضت المنشآت العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة لهجمات عنيفة، وما هو أكثر اثارة للقلق، هو أن الضربات توسعت بسرعة، لتتجاوز القواعد العسكرية الرسمية وتشمل البنية التحتية المدنية والاقتصادية.

وأوضحت الصحيفة، أن مرافق الطاقة والموانئ والمراكز اللوجستية —الحيوية ليس لاقتصادات الخليج فحسب، بل وللأسواق العالمية أيضًا، أصبحت نقاط ضغط في استراتيجية بقاء إيرانية قائمة على رفع وتوزيع تكاليف الحملة الأمريكية الإسرائيلية الرامية للإطاحة بالجمهورية الإسلامية بشكل سريع، حيث لم تخطئ دول الخليج في تقدير مخاطر ذلك، لكنها تواجه الآن مفارقة في موقفها: محايدة سياسيًا، لكنها متشابكة عملياتيًا.

وأكدت أن ما يحدث الآن ليس حربًا إقليمية تقليدية ذات جبهات واضحة وخطوط قتال ثابتة، بل هي مواجهة متعددة الأبعاد تُحول الجغرافيا نفسها إلى سلاح، فالبنية التحتية للطاقة، والممرات البحرية، وشبكات الاستخبارات، والوصول إلى المجال الجوي، والأنظمة المالية، كلها أدوات للضغط، حيث ‏يتشكل المنطق العسكري الإيراني وفقًا لقيود هيكلية؛ إذ لا تستطيع طهران ضرب الأراضي الأمريكية، ولا يمكنها مضاهاة التفوق البحري والجوي الأمريكي على نطاق عالمي، لذا، فإن أهدافها الانتقامية الأكثر جدوى هي إسرائيل والأصول الأمريكية في المنطقة، من قواعد وأفراد وبنية تحتية منغرسة في الدول المجاورة، ونتيجة لذلك، يُنحى الحياد السياسي جانبًا، وتصبح الأراضي العربية المسرح العملي للردع.

 

‏واعتبر الكاتبان، هذه الديناميكية فريدة من نوعها في جوانب هامة؛ ففي الصراعات الأخرى، يتحمل الخصوم المباشرون العبء الأكبر من القتال، أما هنا، فإن قرب الخليج من إيران واندماجه في هيكل الأمن الأمريكي يجعلانه جزءًا من حيز المعركة، حيث أشارا إلى "أن القواعد العسكرية الأميركية التي طالما اعتُبرت ركائز للأمن باتت الآن تحمل مخاطر تصعيدية؛ فما كان يُقصد به أن يكون درعًا، أصبح يبدو بشكل متزايد وكأنه مغناطيس:.

ونوهت الصحيفة إلى أن حكومات الخليج أشارت مرارًا إلى معارضتها توسيع نطاق الحرب مع إيران لهذه الأسباب تحديدًا، غير أن التصعيد مضى قدمًا رغم ذلك، مدفوعًا إلى حد كبير بأولويات إسرائيل وحسابات الولايات المتحدة التي لم تستوعب على نحو كافٍ حجم تعرّض الخليج للمخاطر، والرسالة التي تلقاها قادة الخليج مقلقة: تظل المظلة الأمنية الأمريكية قوية، لكنها قد تُغلَّب عليها مصالح أخرى لا تتطابق مع مصالحهم.

 

‏وتابعت: "ليست هذه القناعة جديدة بالكامل، ففي السنوات السابقة، وبعد هجمات متكررة شنّتها وكلاء إيران على أراضيهم، أدركت دول الخليج بعض حدود المظلة الأمنية الأمريكية، وهذا ما يفسّر التحوّل الدبلوماسي الذي قادته السعودية والإمارات لإصلاح العلاقات مع إيران، وهو مسارٌ استهدف، إلى جانب وساطات قطر وعُمان، تقليص المخاطر التي تتجسّد اليوم، وقد أقرت هذه الجهود بحدود الضمانات الخارجية وسعت إلى بناء قنوات مباشرة مع طهران".

 

‏وقالت الصحيفة إن هذا الادراك ازداد حدة، عندما هاجمت إسرائيل قادة حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، في سبتمبر 2025 فيما وقفت واشنطن موقف المتفرّج، فقد تعرّض مبرّر البنية الأمنية الأمريكية لاهتزاز أعمق عندما انحنت إدارة ترامب للاعتبارات العملياتية الإسرائيلية، وسمحت لإسرائيل بشنّ غارة جوية على حليفها الخليجي على مرأى من المقرّ الإقليمي للقيادة المركزية الأمريكية، وبدا أن ترامب نفسه استوعب متأخرًا دلالة ذلك، فسعى لاحقًا إلى طمأنة شركاء واشنطن في الخليج عبر ترتيبات رسمية أوثق، مثل الاتفاق الأمني مع قطر، مضيفة: "غير أن القرار الأمريكي الأخير بخوض حرب اختيارية، سرعان ما استهلكت الإقليم بأسره، وأفرغ الاتفاقات الأمنية من كثير من مضمونها وكرّس مواطن ضعفها".

 

‏استراتيجية إيران

استراتيجية إيران في الحرب عكست مزيجًا من اليأس والحسابات، فقد وسعت طهران نطاق الردع، منطلقة من موقع تشعر فيه بتهديد وجودي، الى ما يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل والأصول العسكرية الأميركية المنخرطة في عمليات هجومية، حيث يحمل استهداف المنشآت الأمريكية في الخليج رسائل متعددة، فبالنسبة لواشنطن، يُشير ذلك إلى أن التصعيد الإقليمي سيُكبّدها تكاليف باهظة، ليس فقط على القوات الأمريكية، بل على استقرار الدول الحليفة والأسواق العالمية، أما بالنسبة لحكومات الخليج، فهو بمثابة تحذير: استضافة البنية التحتية العسكرية والاستخباراتية الغربية ينطوي على عواقب حرب، حتى في غياب مشاركة رسمية.

 

‏ولفتت الصحيفة إلى أن الوضع يزداد تعقيدا مع إخلاء الأفراد الأمريكيين من القواعد، ومزاعم إيران أنها تتبعت واستهدفت مسؤولين دفاعيين واستخباراتيين داخل أماكن مدنية، كالفنادق، مؤكدة أن "الهجوم على هذه الأماكن تصعيدًا خطيرًا ضد دول الخليج، ما يُظهر أن طهران تُعطي الأولوية القصوى لزيادة الخسائر على إدارة ترامب".

الخسائر الأمريكية المتوقعة، والتي تزداد ولو تدريجيًا، تهدف إلى التأثير على الرأي العام الأمريكي، حيث تُدرك طهران أنه مع اقتراب الانتخابات الأمريكية بعد ثمانية أشهر، فإن الخسائر المتواصلة، إلى جانب تضارب مبررات وأهداف الإدارة الأمريكية للحرب، قد تُضعف الدعم السياسي الداخلي لترامب وتُضعف عزيمته.

 

‏أما الرسالة الثانية للهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية، فهي موجهة إلى دول الخليج نفسها، محذرةً من أن تكلفة استضافة البنية التحتية العسكرية واللوجستية الغربية سترتفع حتمًا في أوقات الحرب، وأن وجود هذه المنشآت يُعد، في حسابات إيران، مشاركةً ضمنيةً في المواجهة.

 

‏وتحدث المقال، عن العلاقات الفريدة التي تربط الإمارات والبحرين بإسرائيل، والتي تطورت إلى تعاون أمني واستخباراتي كبير، ووفقًا للتقييمات الإيرانية، فإن الوجود الاستخباراتي الإسرائيلي في هاتين الدولتين شبه مؤكد. وهذا يُطمس، من وجهة نظر طهران، التمييز بين الدولة المضيفة المحايدة والشريك الفاعل، وفي هذا السياق متعدد الأوجه، تصبح الحيادية ناقصة، فقد تمنع دولة خليجية شنّ غارات جوية هجومية من أراضيها، ومع ذلك تُعتبر جزءًا من شبكة الأمن المتكاملة للخصم.

 

‏وأشارت الصحيفة، إلى أن استهداف إيران للبنية التحتية للطاقة في الخليج، وتهديدها للملاحة عبر مضيق هرمز، كجزء من استراتيجية ضغط دولية، حيث أدت هذه التكتيكات بالفعل إلى إغلاق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، وأكبر مصفاة نفط سعودية في رأس تنورة، إذ تراهن طهران من خلال رفع أسعار الطاقة، وزعزعة استقرار الأسواق المالية، وتعطيل خطوط الشحن، على أن القوى الكبرى ستضغط على واشنطن لخفض التصعيد قبل أن يصبح الضرر الاقتصادي لا يُطاق، مؤكدة أن "هذه مقامرة محفوفة بالمخاطر، فقد يُجبر التعطيل الشديد القوى الصناعية على التدخل بشكل مباشر لتأمين خطوط الإمداد، مما يُؤدي إلى اتساع رقعة الصراع بدلاً من احتوائه".

خياران لدول الخليج

 

الصحيفة تطرقت إلى خيارين تواجه دول الخليج وأنهما غير مرغوب فيهما، حيث ‏الخيار الأول هو تعزيز التنسيق العملياتي مع واشنطن، وتوسيع نطاق التنسيق، والاندماج بشكل أكبر في الأطر الدفاعية، وربما الهجومية، وتقبّل تبعات التصعيد، وقد يشمل ذلك تفعيل القواعد الأمريكية في الخليج، مما سيُرسّخ مكانتها كأهداف رئيسية، كما سيُحوّل الأولويات المالية من التحوّل الاقتصادي طويل الأمد إلى الإنفاق العسكري المستدام، وما يترتب عليه من تكاليف تنموية طويلة الأمد.

 

‏أما الخيار الثاني فهو الردع المُعاير المقترن بضبط النفس الاستراتيجي، وهذا يعني تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، وتحصين البنية التحتية الحيوية، والرد الحاسم على الهجمات، مع مقاومة أي خطوات من شأنها دمج دول الخليج رسميًا في الحملة الهجومية ضد إيران، مضيفة: "‏بإمكان قطر، على وجه الخصوص، الاستعانة بتحالفها العسكري المحوري مع تركيا، كما فعلت عام 2017 عندما تعرّضت لتهديدات من جيرانها المباشرين، وقد تُشكّل عضوية تركيا في حلف الناتو رادعًا إضافيًا لإيران، كما تُشير المملكة المتحدة وفرنسا إلى إمكانية الدفاع عن دول الخليج".

وأكدت فورين بوليسي، أن خطر حرب استنزاف طويلة الأمد يبقى قائمًا، مشيرة إلى أن اقتصادات دول الخليج أصبحت اليوم أكثر اندماجاً على الصعيد العالمي، وبالتالي أكثر عرضة للمخاطر، ومن شأن استمرار عدم الاستقرار أن يُلحق أضراراً جسيمة بمحافظ الثروات السيادية، وثقة المستثمرين، وأسواق التأمين البحري، وعقود الطاقة، وقد تكون تكلفة الفرصة البديلة، المتمثلة في تأخير التنويع، وتوقف المشاريع الضخمة، وتآكل الاحتياطيات المالية، مدمرة تماماً كالخسائر العسكرية المباشرة.

 

وذكر المقال، أن الاعتقاد بأن الضربات الجوية وحدها كفيلة بتغيير النظام في إيران، يبقى موضع شك استراتيجي، وتُظهر التجارب في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا ولبنان وغزة أن الحملات الجوية تُضعف القدرات، لكنها نادراً ما تُفضي إلى نتائج سياسية مستقرة، مشيرا إلى أن انهيار إيران كدولة فاعلة لن يخدم مصالح الخليج أو المصالح الأوسع، ففشل الدولة سيُحدث فراغات سياسية وأمنية خطيرة قد تُفضي إلى حرب أهلية، وتُطلق العنان لانتشار الميليشيات، وانعدام الأمن على الحدود، وكارثة إنسانية، وتداعيات عابرة للحدود.

 

‏ولفتت الصحيفة إلى وجود تباين في الدوافع الإقليمية، فبالنسبة لمعظم الدول العربية وتركيا، يُعد الاستقرار، حتى في ظل إيران المعادية، أفضل من الانهيار والتفكك، مشيرة إلى أن حسابات إسرائيل فقد تختلف، حيث "فضّلت الاستراتيجية الإسرائيلية، تاريخياً، مواجهة الخصوم الضعفاء على حساب الدول الإقليمية المتماسكة القادرة على بسط نفوذها، وتُعدّ إيران أقوى هذه القوى المتبقية، وهذا التباين يُعقّد حسابات دول الخليج بشأن نهاية الحرب".


التعليقات