كشف تقرير بحثي حديث صادر عن مؤسسة بيرغهوف وأعدّه الباحث الدكتور أحمد الماوري، عن تدهور واسع في خدمات الكهرباء والمياه والنظافة في مناطق خاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مع وجود تفاوت كبير بين المدن في مستوى الأداء والاستقرار.
ويستند التقرير الذي طالعه وترجم أبزر مضامينه الموقع بوست إلى دراسة ميدانية شملت خمس مدن رئيسية هي تعز والمكلا وسيئون وعدن والغيضة، معتمدا على مراجعات بيانات ومقابلات أجريت في أواخر عام 2025 مع مسؤولين محليين وممثلين عن المجتمع المدني ومستخدمين للخدمات.
وأظهر التقرير أن مدينة تعز تمثل الحالة الأكثر تدهورا، حيث انهارت شبكة الكهرباء العامة بالكامل، ولم يعد هناك أي إنتاج رسمي للطاقة، في حين يعتمد السكان على شبكات خاصة غير منظمة تعمل بالديزل، بأسعار تصل إلى 800–1000 ريال يمني لكل كيلوواط/ساعة، مع تقاسم جزء من الإيرادات مع جهات نافذة.
وفي قطاع المياه، لا يزال الوضع هشا، إذ يعمل فقط 32 بئراً من أصل 94، مع انخفاض الإمدادات بنحو 77% مقارنة بما قبل الحرب بسبب سيطرة جماعات مسلحة على مصادر رئيسية للمياه.
انفوجرافيك ملخص لما ورد في التقرير
وفي عدن، رغم وجود قدرة مركبة تقارب 400 ميغاواط إضافة إلى 120 ميغاواط من الطاقة الشمسية، فإن الإنتاج الفعلي يتراوح بين 90 و165 ميغاواط فقط، ما يؤدي إلى انقطاعات تصل إلى 18–20 ساعة يوميا، في ظل فجوة بين العرض والطلب تصل إلى نحو 585–655 ميغاواط.
كما تعاني المدينة من أزمة مياه حادة، حيث لا يتم توفير سوى نحو 43.8 مليون متر مكعب سنويا مقابل طلب يبلغ 87.6 مليون متر مكعب، أي ما يعادل نصف الاحتياج تقريبا، مع ضعف في تحصيل الرسوم لا يتجاوز 20%.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن المكلا وسيئون تحتلان موقعاً وسطاً، حيث تستمر الخدمات رغم الضغوط، ففي المكلا، يبلغ إنتاج الكهرباء نحو 183 ميغاواط مقابل طلب يصل إلى 380 ميغاواط، مع نظام تقنين (ساعتان تشغيل مقابل أربع ساعات انقطاع).
أما في سيئون، فيظهر الوضع أكثر استقرارا نسبيا، إذ يغطي التيار الكهربائي معظم المدينة مع نسبة تحصيل رسوم تصل إلى 90%، وهي الأعلى بين المدن المدروسة، رغم استمرار الانقطاعات الدورية.
وفي قطاع المياه، تغطي الشبكة أكثر من 90% من المدينة، مع تلبية الطلب اليومي البالغ نحو 25,500 متر مكعب، في نموذج يعكس دور الإدارة المحلية الفاعلة في تحسين الأداء.
أما الغيضة في محافظة المهرة، فتظهر تغطية جيدة نسبيا للخدمات، لكنها تعتمد على بنية تحتية قديمة تعمل بالديزل، مع عجز في الإنتاج لا يلبي سوى 20–35% من الاحتياجات اليومية للكهرباء، وانقطاعات قد تتجاوز 18 ساعة يوميا.
وفي المياه، يبلغ العجز نحو 33% من الطلب اليومي، مع اعتماد السكان على مصادر خاصة مرتفعة التكلفة تصل إلى 4000 ريال يمني للمتر المكعب.
وأشار التقرير إلى أن جميع القطاعات الخدمية تعمل ضمن نظام مالي غير مستدام، حيث تبقى التعرفة منخفضة للغاية مقارنة بالتكلفة، إذ تتراوح أسعار الكهرباء الرسمية بين 6 و19 ريالاً للكيلوواط/ساعة، وهو أقل بكثير من التكلفة الفعلية.
كما أصبحت الجهات المانحة الدولية خلال السنوات الأخيرة الممول الفعلي للخدمات الأساسية، من خلال دعم الوقود ومحطات الطاقة الشمسية والمياه، ما حال دون الانهيار الكامل لكنه عزز الاعتماد على حلول قصيرة الأجل.
وأكد التقرير أن انهيار الخدمات أدى إلى تآكل ثقة المواطنين بالدولة، ما انعكس في ضعف دفع الرسوم وانتشار الربط غير القانوني والاعتماد على أسواق غير رسمية، خاصة في تعز وعدن، حيث تلعب الجماعات المسلحة والفاعلون غير الرسميين دوراً رئيسياً في إدارة الخدمات.
ويشير التقرير إلى أن أزمة الخدمات في اليمن لم تعد مسألة فنية، بل ترتبط بشكل مباشر بعوامل الحوكمة والصراع، مشيراً إلى أن استعادة الحد الأدنى من الاستقرار تتطلب عزل المؤسسات الخدمية عن التدخلات السياسية والعسكرية، وإصلاح أنظمة الإيرادات، والتحول من الدعم الطارئ إلى استثمارات طويلة الأمد، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطات.