بين الواجب الإنساني وفوضى المنظومة الصحية: شهادة من قلب الطوارئ
السبت, 21 مارس, 2026 - 11:54 مساءً

في إحدى مناوبات المساء، وتحديدًا في ساعة الذروة داخل قسم الطوارئ، بدأ المشهد كغيره من الأيام المزدحمة، قبل أن يتحول إلى تجربة فارقة لا تُنسى.
 
وصل شاب في العشرين من عمره، هزيل البنية، وقد بدت على ملامحه آثار الفقر والإجهاد. كان فاقدًا للوعي، بلا نبض محسوس، وفي حالة صدمة حرجة. تحرك الفريق الطبي بسرعة؛ بدأتُ بإجراءات الإنعاش القلبي الرئوي، فيما تولّى زملائي سحب عينات الدم، وتقديم الأكسجين، ومحاولة تثبيت حالته.
 
وسط هذا السباق مع الزمن، وأثناء تعديل وضعية رأس المريض، تعرّضتُ لوخزة إبرة ملوثة—إبرة لم يتم التخلص منها وفق بروتوكولات السلامة، رغم توفر الحاويات الخاصة والتدريب المسبق على التعامل مع النفايات الطبية. في لحظة، انتقلتُ من موقع المُنقِذ إلى شخص معرّض لخطر غير مرئي، يفتح أبواب القلق على مصراعيها.
 
لم يكن أمامنا خيار سوى تحويل المريض إلى مستشفى عام لعدم توفر قسم عناية مركزة أو أجهزة دعم تنفسي كافية. ورغم الحاجة الملحة، لم يخلُ الأمر من جدال مرهق حول استخدام سيارة الإسعاف، في وقت لا يحتمل التأخير. تم النقل أخيرًا، بينما بقيتُ أواجه ضغط المرضى المتزايد في القسم، محاوِلة الاستمرار في عملي وسط إرهاق جسدي ونفسي متصاعد.
 
لاحقًا، علمتُ من أحد المرافقين أن المريض كان يعاني من إدمان على أقراص مهدئة. ومع هذه المعلومة، تضاعف قلقي بشأن الوخزة التي تعرضتُ لها، خاصة في ظل عدم توفر معلومات دقيقة عن حالته الصحية. حاولتُ تتبع عينة دمه لإجراء الفحوصات اللازمة، لكنني فوجئت بأنه تم التخلص منها لأنها لم تكن مرفقة باسم.
 
عند انتهاء مناوبتي، وقبل مغادرتي المستشفى، تلقيتُ خبر وفاة المريض في المستشفى الذي نُقل إليه. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الوفاة بحد ذاتها، بل في الإجراء الذي تلاها: طُلب مني إصدار شهادة الوفاة، رغم أن المريض غادر قسمي حيًا، وقضى ساعاته الأخيرة تحت رعاية فريق طبي آخر.
 
في غياب لوائح واضحة تنظم المسؤوليات بين المؤسسات الصحية، وجدتُ نفسي أمام قرار لا يستند إلى إطار قانوني واضح، بل إلى “ما هو متعارف عليه”. ورغم إدراكي لوجود خلل في هذا الإجراء، اضطررتُ للامتثال.
 
حين أمسكتُ بورقة شهادة الوفاة، كتبتُ:
السبب المباشر: توقف الدورة الدموية القلبية.
السبب المؤدي: وصول المريض في حالة غيبوبة.
 
لكن الحقيقة التي بقيت عالقة في ذهني كانت أكبر من هذه الكلمات المختصرة. فهذه الشهادة لم تعكس سوى جزء ضئيل من قصة معقدة، اختلطت فيها محدودية الإمكانيات، وضعف التنظيم، وتأخر التدخل، وربما الإهمال.
 
هذه التجربة لم تكن مجرد حالة طبية، بل كانت مرآة تعكس واقعًا أوسع؛ واقعًا تعاني فيه المنظومة الصحية من فجوات تنظيمية، ونقص في الموارد، وضبابية في المسؤوليات، مما يضع الكوادر الطبية في مواقف صعبة، بين الالتزام المهني والضغوط العملية.
 
الأصعب من ذلك، هو الصراع الداخلي الذي يعيشه الطبيب في مثل هذه الظروف: كيف يحافظ على إنسانيته وسط هذا الكم من التحديات؟ كيف يؤدي واجبه بأمان، في بيئة قد تعرّضه شخصيًا للخطر؟ وكيف يمكن لفرد واحد أن يُحدث فرقًا في منظومة تحتاج إلى إصلاح جذري؟
 
ليست هذه الأسئلة ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة لضمان جودة الرعاية الصحية، وسلامة مقدّميها، وكرامة المرضى.
 
إن تحسين الواقع الصحي لا يبدأ فقط بتوفير الأجهزة أو زيادة الكوادر، بل بوضع أنظمة واضحة، وتفعيل معايير السلامة، وتعزيز ثقافة المساءلة، بحيث لا يُترك الطبيب وحيدًا في مواجهة قرارات مصيرية، ولا يُختزل المريض في سطرين على ورقة شهادة.
 
في النهاية، تبقى الإنسانية هي البوصلة. لكن الحفاظ عليها، في بيئة مضطربة، يتطلب أكثر من مجرد نوايا حسنة—يتطلب نظامًا يحميها
 

التعليقات