قطعا لا أحد في العالم كله يرغب أو يؤيد امتلاك إيران سلاحا نوويا بما في ذلك أشقاء إيران في منظمة التعاون الإسلامي الذين يفترض أنهم الأقرب إليها بحكم رابطة العقيدة والدين. والسبب بكل تأكيد هو ضعف إن لم يكن انعدام الثقة في سلوكها السياسي من قبل الأشقاء قبل الأصدقاء، بل ويمكن الجزم بأن حلفاءها الدوليين الجدد- مثل روسيا والصين- هم كغيرهم من القوى الكبرى لا ترى أي مصلحة لسلام واستقرار العالم في احتمال امتلاكها- أي إيران- سلاحا نوويا. مع أنه لا أحد ينكر حقها في بناء مفاعل نووي للأغراض السلمية المرتبطة بالتنمية، وهو حق متاح لكل دول العالم من الناحية النظرية، ويخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة ولا تستطيع- هذه الوكالة- قطعا تجاوز رؤية ومواقف الدول الخمس الكبرى صاحبة الفيتو. ومع كل ذلك فقد استطاعت إيران تحقيق العديد من الإنجازات في المجال النووي سواء قبل الاتفاق الشهير عام 2015، أو خلاله، أو بعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق وعودة الأمور إلى نقطة الصفر. ورغم الفتوى الشهيرة للمرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2003 بتحريم صنع قنبلة نووية فإن كل ما أنجزته إيران في مجال التخصيب خلال السنوات الماضية بكميات تقترب من إمكان بناء قنبلة نووية يؤكد أن برنامجها تجاوز تلك الفتوى التي قد تكون صدرت لطمأنة المجتمع الدولي، أكثر مما هي فتوى تحريم بالفعل. وهذا لا يعني سوى أن آلية الرئيس دونالد ترمب في ولايته الأولى بالانسحاب من الاتفاق النووي واستبدالها بالمزيد من العقوبات لم تكن صائبة بالقدر الكافي، فقد استثمرتها إيران في إعادة التخصيب بكثافة. كما أنها قيدت خلفه بايدن- الذي اعتُبِر عهده امتدادا موضوعيا لعهد أوباما- من اتخاذ أي إجراءات، فلا هو استطاع إحياء الاتفاق النووي بحذافيره كونه لم يعد صالحا رغم كل محاولاته لإحياء عملية تفاوضية جديدة خلال الثلث الثاني من عام 2022، ولا هو استطاع وقف استئناف إيران برنامجها النووي بنمطه الذي سبق اتفاق 2015 بفاعلية أكبر وأنشط وأسرع، وليأتي بعد ذلك زلزال السابع من أكتوبر/تشرين الأول لتنتقل المنطقة والعالم بعده لمسارات جديدة من الصراع. المتأمل لمسارات الصراع الإيراني الغربي عموما، والأمريكي خصوصا، يجد نفسه أمام استنتاجات ونتائج غريبة ولا تستقيم مع دواعي وسرديات هذا الصراع من وجهة النظر الأمريكية على الأقل التي تعلن أنها تريد تحجيم الدور والنفوذ الإيراني في المنطقة. فمنذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 نجد أن الدور الإيراني في المنطقة يتسع ويزداد باطراد، بعد أن حصرت حربها مع العراق سياساتها وطموحاتها ومشاريعها لتصدير الثورة في حدودها طوال السنوات الثماني لتلك الحرب، ولم تجد خلالها سوى نافذتي إسرائيل والولايات المتحدة لتزويدها بالسلاح، وقطع الغيار، فيما عرف بعد ذلك بفضيحة (إيران كونترا غيت). وقد كان التدخل الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي الكارثي أول مدخل انتهزته إيران للانطلاق من حدودها والشروع بدور إقليمي ساندها فيه الرئيس السوري السابق حافظ الأسد الذي كان أول جسر عبور لها للخوض في كل تفاصيل المنطقة العربية، بدءا بتثبيت شراكة سياسية وأمنية كبيرة وممتدة مع حكم آل الأسد، مرورا بتعزيز البنية التنظيمية والسياسية والعسكرية لحزب الله في لبنان كأول كيان سياسي عربي يَدين بوضوح وبدون تحفظ بالولاء الصريح للولي الفقيه في إيران. وهي سابقة غير معهودة في المنطقة على المستوى الإسلامي لا يشبهها إلا ولاء الأحزاب الشيوعية العربية للحزب الشيوعي السوفياتي في موسكو. لاحقا امتد النفوذ والتأثير الإيراني ليشمل العراق بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية له، وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في 9 أبريل/نيسان 2003. نجحت إيران في توظيف كل أو معظم التدخلات الأمريكية في المنطقة لمصلحتها بصور وأشكال متفاوتة بدءا من حرب تحرير الكويت، مرورا بحرب أفغانستان، وليس انتهاء بحرب احتلال العراق التي كانت ذروة هذه النجاحات، وهو دور ممتد حتى اليوم رغم كل الضربات الموجعة سياسيا وعسكريا واقتصاديا التي تلقتها طهران منذ ولاية ترمب الأولى وحتى الآن. فالعراق هو الجائزة الكبرى التي لن تتنازل عنها إيران، أو تقبل إضعاف نفوذها فيه مهما كانت الضغوط، إذ هو اليوم بوابتها الغربية المطلة على المنطقة، بعد أن كان البوابة الشرقية الحامية للوطن العربي. وما زال الدور الإيراني المؤثر في اختيار رؤساء الحكومات العراقية قائما حتى اللحظة، وكلما تبادر إلى الأذهان أن هذا أو ذاك متحرر إلى حد ما من هذا النفوذ والتأثير، نكتشف لاحقا أنه لا يستطيع تجاوزه. وهو ما ظل يتكرر منذ انتهاء ولاية حيدر العبادي حتى الآن، بل وحتى محاولات الانفتاح على الدول العربية التي جرت في السنوات الأخيرة ظلت وستظل محكومة بعدم تعارضها مع مصالح ونفوذ إيران، وهو أمر معلوم تؤكده الأحداث والمستجدات على الدوام. وإذا كانت الأحداث السابقة تمت في عهد الرئيسين الجمهوريين بوش الأب وبوش الابن، فإن الديمقراطي باراك أوباما أطلق يد إيران في المنطقة العربية كإثبات حسن نوايا في البداية لتشجيعها على الاستمرار في المفاوضات المعقدة، وفي الختام كمكافأة على توقيع الاتفاق النووي في 2015 والذي تم برعاية الدول الخمس الكبرى+ ألمانيا. ففيما كانت إيران قبل هذا الاتفاق تستمتع بنفوذها في العراق ولبنان أعطاها أوباما الضوء الأخضر لبسط نفوذها الأمني والعسكري في سوريا لحماية نظام الأسد، واليمن لتمكين حلفائها الحوثيين من السيطرة عليه عقب أحداث الربيع العربي. وكما يقول وزير الخارجية الإيراني السابق أمير عبداللهيان في كتابه (صبح الشام) إنهم قدموا لأوباما تنازلات في الملف النووي، مقابل إطلاق يد إيران في سوريا لإنقاذ نظام الأسد الابن. وفيما يخص اليمن ولبنان كان أوباما يشجع صراحة على تقاسم النفوذ بين إيران والسعودية، لكن الرياض أعلنت رفضها مقترحاته ومبادرات وزير خارجيته جون كيري. واليوم في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المنطقة لا تبدو في الأفق أية نهايات مطمئنة للتدخل الأمريكي الأخير، فما زالت إيران تناور في مفاوضاتها، ولا تبدي أي مرونة بشأن كميات اليورانيوم المخصب والسيطرة على مضيق هرمز. ولا تأبه قطعا بمصالح جيرانها من دول المنطقة التي تضررت من هذا الصراع أولا قبل تضررها تاليا من إقحام المضيق في المعركة بما انعكس سلبا على اقتصادات معظم دول العالم. وبالتأكيد فلن يقبل ترمب إلا أن يخرج من هذا الصراع باتفاق أو تصعيد يحفظ له ماء الوجه، فيما الموقف الإيراني لا يجد أساسا ما يخسره، وهو يدرك جيدا أن هذا التدخل الأمريكي الجديد مكنه من مكسب لا يقل أهمية عن مكاسبه السابقة في العراق والمنطقة، بل قد يفوقها من الناحية الإستراتيجية، بالسيطرة الصريحة على مضيق هرمز الذي لم تتوفر لإيران أي من مبرراته خلال العقود الماضية. وليس من الواضح حاليا الآليات التي ستدير بها إيران أوراق ضغطها وفي مقدمتها مضيق هرمز في المفاوضات القادمة- حتى وإن جاءت بعد ضربة عسكرية محدودة محتملة كما توحي المؤشرات- تكون مقدمة لانسحاب واشنطن من ملف هرمز، وتركه لدول المنطقة وأوروبا والصين لمعالجته، مقابل تنازل إيراني مدروس في ملف اليورانيوم المخصب يغلق الملف النووي بشكل مؤقت، ويؤجل طموحات إيران ومشاريعها النووية لزمن قادم آخر. نقلا عن الجزيرة نت