حين يأتي الرحيل على هيئة صاعقة، لا يترك للقلوب فرصةً لالتقاط أنفاسها، بل يشقُّ سماء الروح فجأة، تاركًا خلفه دهشةً موجعة وصمتًا ثقيلًا لا يُحتمل. هكذا كان وقع خبر رحيل الرئيس المناضل الكبير المشير /عبدربه منصور هادي، إذ شعرتُ للحظة وكأن الزمن قد تعثّر، وأن شيئًا عظيمًا انكسر في أعماق الوطن والنفس معًا. لم أعرف صدمةً تشبه هذه الصدمة إلا يوم رحل الوالد حسين عثمان عشّال بصورة مفاجئة أواخر عام 1993، في ظرف بالغ الخطورة والحساسية، حين كانت البلاد تقف على حافة صراعٍ ومواجهات عسكرية عاصفة. ففي الرجلين فقدتُ أبًا ومعنى؛ فقد كان يرحمه الله يغمرني بعاطفة الأبوة الصادقة، ويمنحني قدرًا كبيرًا من المحبة والثقة والتقدير. وفي لحظات الرحيل المفاجئ للقادة الكبار، لا تبكي الأوطان رجالها فحسب، بل تبكي معهم جزءًا من تاريخها وذاكرتها، وتبكي مواقفهم العظيمة، ونضالاتهم الصادقة، وما بذلوه ـ وفق اجتهاداتهم المخلصة ـ في سبيل خدمة أوطانهم والدفاع عن قضايا شعوبهم. كان آخر لقاءٍ جمعني بالرئيس الراحل في الثالث عشر من فبراير الماضي، وكانت جلسةً ودية طويلة ومفعمة بالهمّ الوطني ومستحضرة للتحديات الكبيرة التي تمر بها اليمن. تحدّث فيها بإيمانٍ عميق عن ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، وتطبيع الأوضاع في المحافظات المحررة، وتعزيز حضور الدولة وهيبتها فيها. كما عبّر بوضوح عن قلقه من المغامرة التي أقدم عليها المجلس الانتقالي في المحافظات الشرقية، وعدّ ذلك انقلابًا على إعلان نقل السلطة والتفويض الذي منحه لمجلس القيادة الرئاسي. وتحدّث كذلك عن أهمية اغتنام الفرصة التي أتاحها الأشقاء في المملكة العربية السعودية عبر الدعوة الكريمة إلى حوارٍ جنوبي برعايتها، وكان يرى في ذلك مدخلًا لصياغة رؤية موحّدة تحفظ اليمن الاتحادي الكبير، وتضع معالجاتٍ جادة وعادلة للقضية الجنوبية، بما يحقق الشراكة الوطنية ويُداوي جراح الماضي المثقلة بالألم والخذلان. لقد أخلص الرئيس عبدربه منصور هادي لقضايا وطنية كبرى، وبذل في سبيلها جهودًا مقدّرة ستظل حاضرةً في ذاكرة اليمنيين، ولن تمحوها حملات التشويه أو قسوة الخصومات السياسية. ومن أبرز ما آمن به الراحل الكبير: • فكرة الحوار بوصفها المدخل الحقيقي لحل المشكلات، والطريق الآمن لبناء يمنٍ جديد قائم على التوافق والشراكة، ومحققٍ لأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وفي مقدمتها (الجمهورية والوحدة)،،، وقد شكّل مؤتمر الحوار الوطني ـ الذي هندسه ورعاه مع المخلصين من القوى الوطنية ـ أهم منجز سياسي تحقق في عهده، وأهم محطة حوارية شهدها اليمن الحديث، إذ خرج اليمنيون منه بمعالجاتٍ جادة لكثير من أزماتهم البنيوية. ولولا الانقلاب على مخرجات ذلك الحوار، لما انزلقت البلاد إلى هذا النفق المظلم الذي ما تزال تعاني ويلاته حتى اليوم. • كما آمن بأن الوحدة اليمنية والحفاظ على اليمن الاتحادي الكبير خيارٌ لا بديل عنه لصون ما تحقق لليمنيين من مكاسب وطنية وتاريخية. وظلّ مخلصًا لهذا النهج، محذرًا دومًا من أن أي مشاريع بديلة ستقود اليمن ـ شمالًا وجنوبًا ـ إلى دوراتٍ مفتوحة من الصراع والعنف والتشظي، بما يهدد وجود الدولة والمجتمع معًا. لقد كان وطنيًا يرى اليمن الكبير من أقصى حوف إلى ميدي، ويؤمن بأن بناء نظام حكمٍ عادل هو الضمان الحقيقي لبقاء الوطن والدولة. ظُلم كثيرًا، وخذلته قوى عديدة، وربما خذل نفسه أحيانًا في بعض اجتهاداته وحسن ظنه أو رهانه على الممكن الذي صعب عليه تحقيقه، لكنه ظل مؤمنًا باليمن الواحد، وبالدولة التي تتسع للجميع دون إقصاء أو استحواذ. ولهذا تبنّى المشروع الاتحادي عن قناعةٍ صادقة، وأتاح مساحة غير مسبوقة من الحرية والحوار السياسي، إيمانًا منه بأن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى بالقوة والغلبة، بل بالتفاهم والشراكة والعدالة. وفي اعتقادي أن الرئيس عبدربه منصور هادي كان من أكثر الشخصيات السياسية التي تعرضت لقدرٍ كبير من الظلم وسوء الظن ، إذ لم يُمنح الإنصاف الذي يستحقه، لا خلال وجوده في السلطة ولا حتى بعد مغادرته لها. فقد صُنعت حوله صورة إعلامية وسياسية مشوّهة، اختزلت الرجل في أوصاف سطحية لا تعكس حقيقة شخصيته، ولا طبيعة الدور الذي اضطلع به في واحدة من أعقد المراحل التي مر بها اليمن. لم يكن هادي ذلك القائد السلبي او الماكر المتخاذل كما سعت بعض القوى إلى ترسيخه في أذهان الناس، بل كان رجل دولة يمتلك قدرًا كبيرًا من الحكمة والصبر والوعي بتعقيدات المشهد اليمني وتشابكاته الإقليمية والدولية اصاب الرجل في اجتهاداته واخطاء كغيره من الرؤساء والزعامات. لكنه كان يدرك أن إدارة بلدٍ مثقل بالأزمات والانقسامات والحروب لا يمكن أن تتم بالشعارات والانفعالات، بل بالنَّفَس الطويل، ومحاولة تجنيب الوطن الانهيار الكامل. غير أن المأساة الحقيقية تمثلت في أن كثيرًا ممن صنعوا نفوذهم وحضورهم ومكاسبهم في ظل وجوده، لم يترددوا لاحقًا في التنصل منه، بل والمشاركة ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ في تحميله وحده أوزار مرحلة كانت مليئة بالتناقضات والتدخلات والصراعات المتشابكة. فدفع الرجل ثمن أخطاء جماعية شاركت فيها كل منظومة العمل السياسي، وتحمّل تبعات واقعٍ سياسي وعسكري وإقليمي بالغ التعقيد، بينما آثر كثيرون الهروب من مسؤولياتهم عبر صناعة رواية سهلة تختزل الأزمة فيه، وتحمله وحده تبعاتها. لقد اوصلته الظروف الضاغطة وتعقيدات المشهد على المستوى الداخلي والخارجي الى الخيار الصعب الذي لم يندم عليه كما حدثني،، قرار تفويض السلطة الذي وضع به الخاتمة لمشهد حضوره في الحياة السياسية كا اخر رئيس جاءت به ارادة الجماهير عبر صناديق الاقتراع، وبرحيله اليوم يخيم الحزن على النفوس، إذ يغادر وجهٌ ظل حاضرًا في تفاصيل واحدة من أعقد مراحل اليمن المعاصر، تاركًا وراءه فراغًا لا تملؤه الكلمات، ولا تخففه عبارات العزاء. رحم الله الوالد الرئيس المشير عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وتقبله في زمرة الاولياء والصالحين من عباده، وجزاه خير الجزاء عن كل التضحيات التي قدمها. خالص العزاء وصادق المواساة إلى أبنائه الأعزاء جلال وناصر وياسر وإخوانهم جميعًا، وإلى الوالد العزيز اللواء ناصر منصور هادي وكل أسرتهم الكريمة والى كافة ابناء اليمن في هذا المصاب الجلل. *من صفحة الكاتب