أي شعب يحمل قضية سياسية ذات بعد حقوقي عميق لا يمكن انتزاعها بسهولة، خاصة حين تكون هذه القضية متجذّرة في وعيه الجمعي ومصحوبة بإيمان راسخ بعدالتها. فالقضايا العادلة لا تسقط بأخطاء من تصدّروا تمثيلها، مهما بلغت جسامة تلك الأخطاء أو ارتقت إلى مستوى الانتهاكات والإقصاء والتهميش بحق قوى أخرى من ذات الحاضنة أو قوى موازية لها في نفس البلد.
إن تحميل القضية ذاتها مسؤولية فشل قياداتها أو استخدام أخطائهم ذريعة للنيل من عدالتها، يمثل خللًا في الفهم السياسي والحقوقي. فلا يجوز معاقبة الشعوب على أخطاء قادتها، كما لا ينبغي التعامل مع حاملي القضية اليوم بذات المنطق الذي أُديرت به في مراحل سابقة، خصوصًا حين تتغير الأنظمة أو السياقات السياسية.
ما تحتاجه هذه الشعوب ليس الإنكار أو المواجهة، بل التطمين. التطمين بأن قضيتهم لم تُلغَ، بل قد تمر بتحولات مرحلية تفرضها تعقيدات الواقع السياسي، دون أن يعني ذلك التفريط بجوهرها. وهذا التطمين لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء الثقة عبر قيادات جديدة أكثر صدقية، وقادرة على تمثيل تطلعات الناس بعيدًا عن أخطاء الماضي.
كما أن الوعي السياسي يلعب دورًا محوريًا في هذه المرحلة؛ إذ تقع على عاتق النخب مسؤولية تهدئة الشارع، وشرح التحولات، وإدارة التوقعات بواقعية، بما يمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الاستغلال العاطفي للقضية.
وفي موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى خلق مسارات سياسية وحقوقية جديدة، مختلفة جذريًا عن التجارب السابقة، تُقنع الفاعلين الدوليين والإقليميين بجدّية الطرح وعدالته، وتطمئنهم في الوقت ذاته بأن أي تحولات لن تكون مدخلًا لعدم الاستقرار أو تهديدًا لمصالحهم.
إن أخطر ما قد يواجه هذه القضايا ليس خصومها، بل أولئك الذين استثمروا فيها لتحقيق مصالح شخصية، والذين قد يسعون لإفشال أي مسار جديد خوفًا من فقدان نفوذهم. لذلك، فإن نجاح أي تحول يتطلب وعيًا جمعيًا، وقيادة مسؤولة، وخطابًا عقلانيًا يوازن بين التمسك بالحقوق وإدارة الواقع.
*من صفحة الكاتبة على فيسبوك