لم تكن الوحدة اليمنية حدثًا عابرًا في تاريخ البلاد، بل ثمرة مسار طويل من الصراع والتدافع بين التشطير والانقسام، فمنذ العصور القديمة، عرفت اليمن تعدد الممالك وتنازع القوى، مرورًا بفترات الاحتلال العثماني في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب، وصولًا إلى محاولات متكررة لإقامة سلطة مركزية واحدة، ومع ذلك، ظل حلم الوحدة حيّاً نابضاً في وجدان اليمنيين، حتى تحقق في 22 مايو 1990 بإعلان الجمهورية اليمنية الموحدة؛ غير أنه جاء محاطًا بتحديات سياسية واقتصادية وأمنية جعلت التجربة هشة، ومهدت لانفجارها في حرب أهلية عام 1994. ففي مطلع السبعينيات، كانت مدينة تعز على موعدٍ مع الحلم؛ هناك، في تلك المدينة التي طالما شكلت جسرًا فكرياً وجغرافيًا بين الشمال والجنوب، بدأت اللقاءات التمهيدية تضع لبنات التقارب الأولى، كانت تلك اللحظات بمثابة الصرخة بأن اليمن واحد، وأن التقسيم مهما طال فهو زائل. لم يكن أحد يعلم حينها أن الطريق إلى عدن وصنعاء سيكون معبدًا بالدماء، وأن بعض الاتفاقات ستبقى حبرًا على ورق لأكثر من عقدين. لكن حرب سبتمبر 1972 جاءت لتختبر هذا الحلم؛ إذ اشتعلت النيران على الحدود في مواجهة قصيرة لكنها مؤلمة، وكأن هذا الصدام كان صرخة ألم لا صراع نكاية؛ إذ سرعان ما جلس وفدا الشطرين في القاهرة إلى طاولة الحوار، ووقعا في 28 أكتوبر 1972 على اتفاقية تاريخية وضعت الأسس الأولى لدولة الوحدة المنشود، لقد حولوا الخلاف إلى اتفاق، والصدام إلى عناق، في أول اعتراف رسمي متبادل بأن لا مستقبل لأحدهما بمعزل عن الآخر. وشهدت الأعوام بين 1973 و1977 سلسلة من المواعيد المتجددة مع الأمل؛ عبر لقاءات متتالية في طرابلس والجزائر وتعز، وصولًا إلى اللحظة الفارقة في فبراير 1977 بتوقيع اتفاق قعطبة التاريخي بين رجلين استثنائيين: إبراهيم الحمدي في الشمال، وسالم ربيع علي (سالمين) في الجنوب، اتفق الرئيسان على إنشاء مجلس أعلى مشترك لتنسيق الجهود، لكن يد الغدر كانت أسرع؛ ففي أكتوبر 1977 اغتيل الحمدي، ذاك الذي كان يُعد لزيارة عدن ليعلن الوحدة بنفسه. وتوالت الأحداث الدامية، فسقط الغشمي في يونيو 1978، وحاولت القوى المناهضة للمشروع الوحدوي خنق الحلم في مهده، صعد علي عبد الله صالح في الشمال، وعبد الفتاح إسماعيل في الجنوب، وسالت الدماء في حرب حدودية جديدة في فبراير 1979، غير أن الإرادة اليمنية المدعومة بالوساطة العربية أثمرت إعلان الكويت في مارس من العام نفسه، ليعود الطرفان إلى روح اتفاقي القاهرة وطرابلس، بعد أن أدرك الجميع أن السلاح لن يحسم قضية الهوية الإستراتيجية لليمن. ومع مطلع الثمانينيات، اتخذت العلاقة منحى عملياً؛ فوقعت الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية بين عدن (1980) وصنعاء (1981)، وفي ديسمبر 1981، أنجزت اللجان المشتركة صياغة مشروع دستور دولة الوحدة، وبدأ وكأن البيت اليمني قد اكتملت أركان، لكن حسابات الثروة والسياسة سرعان ما عكرت الأجواء مجدداً جراء توترات حول المناطق النفطية الواعدة في شبوة ومأرب عام 1982، ثم حلت مأساة 13 يناير 1986؛ تلك اللحظة السوداء في تاريخ الجنوب، حيث تحولت شوارع عدن إلى ساحة تصفيات دموية مريرة داخل أجنحة الحزب الاشتراكي، أدت إلى مقتل عبد الفتاح إسماعيل، وخروج علي ناصر محمد، وصعود علي سالم البيض على أنقاض أزمة سياسية واقتصادية خانقة، والمفارقة التاريخية هنا، أن هذه الكارثة وهذا الإنهاك هما اللذان دفعا قيادة الحزب الاشتراكي للنظر إلى الوحدة كطوق إنقاذ وخيار استراتيجي لا مفر منه، وكان عام 1988 عام الحسم؛ إذ أسفرت اللقاءات المكثفة عن اتفاقية تكامل اقتصادي حقيقي، وسحب القوات من الحدود، والأهم، إلغاء قيود التنقل بالبطاقة الشخصية، لأول مرة منذ عقود، تنساب العائلات اليمنية بين الشطرين دون عوائق، في إيذان شعبي بالولادة الوشيكة. وجاء يوم 22 مايو 1990 ليكون يوم الفخر الذي لا يُنسى؛ حيث رفع علم الجمهورية اليمنية خفاقاً في سماء عدن، تحقق الحلم واندمج الشطران من صعدة إلى المهرة، وانهمرت دموع الفرح الشعبي بانتهاء أربعة عقود من التشطير والتمزق الأسري. ورغم النجاح في إجراء أول انتخابات نيابية تعدّدية وتشكيل حكومة ائتلافية ضمت حزب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني عام 1993، إلا أن بريق البهجة بدأ بالخفوت سريعاً، فبعد أشهر قليلة، غادر نائب الرئيس علي سالم البيض العاصمة صنعاء واستقر في عدن معتكفاً، موجهاً اتهامات صريحة لصنعاء بمحاولة تهميش الجنوب واستهداف كوادره وأبنائه بسلسلة من الاغتيالات والاعتداءات الأمنية، ومنذ ذلك الحين، دخلت دولة الوحدة في نفق الأزمة السياسية المظلمة، وبدأ الشارع في الجنوب يعبر عن احتجاجاته وشكواه مما وصفه ببوادر الإقصاء والتهميش الشامل لمؤسساته وشراكته الحقيقية. وعلى وقع هذا الانسداد، كُتب على دولة الوحدة الوليدة أن تُعمد بالنار والحديد؛ ففي أبريل 1994، انطلقت شرارة الحرب الأولى من المعسكرات في عمران، لتتحول سريعاً وبشكل دراماتيكي إلى حرب أهلية شاملة عقب إعلان علي سالم البيض الانفصال في مايو 1994، لم تكن تلك الحرب في جوهرها صراعاً بين مجتمعين، بل كانت مواجهة طاحنة للدفاع عن شرعية الدولة الموحدة وسياجها الدستوري ضد خيار التراجع والتمزق، وانتهت الحرب في صيف 1994 بانتصار قوات صالح وفرار قيادات الاشتراكي إلى الخارج، لتُنقذ الوحدة جغرافياً وسياسياً، لكن بجراح اجتماعية عميقة وغائرة. لقد كشفت حرب 1994 هشاشة النخبة السياسية وعجزها عن حماية المضامين الديمقراطية والسلمية لدولة الوحدة، كما فتحت الباب على مصراعيه لتدخلات خارجية غّذت النزعات الارتدادية، وعمّقت الشرخ المجتمعي بسبب غياب المعالجات الحقيقية المنصفة لآثار الحرب وتداعياتها على الأرض. إن تجربة الوحدة اليمنية، المريرة والملهمة في آن، تثبت اليوم أن الأدوات العسكرية والانتصارات الميدانية وحدها لا تكفي لحماية المشروعات الوطنية الكبرى، وأن الشراكة السياسية العادلة، والمواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية هي الضمانات الحقيقية والوحيدة لاستمرار واستدامة أي اتحاد، واليمن، رغم كل ما يمر به اليوم من عواصف وتحديات راهنة، يظل واحداً في هويته ووجدان شعبه، ولن يُكتب له الاستقرار المستدام إلا بوجاهة الحق، وبناء دولة النظام والعدل والثقة المتبادلة. اليمن واحد، مهما عظمت التحديات وتكالبت الخطوب!